الشيخ السبحاني
294
مفاهيم القرآن
وثمة نكتة جديرة بالإشارة وهي أنّأكثر المفسرين حينما تطرّقوا إلى الأقسام الواردة في القرآن الكريم ركّزوا جهودهم لبيان ما للمقسم به من أسرار ورموز كالشمس والقمر في قوله سبحانه : « والشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمرِ إِذا تَلاها » « 1 » أو قوله : « وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون » « 2 » ، ولكنّهم غفلوا عن البحث في بيان الصلة والعلاقة بين المقسم به والمقسم عليه لاحظ مثلًا قوله سبحانه : « وَالضُّحى * وَالليلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى » « 3 » فالضحى والليل مقسم بهما وقوله : « ما ودَّعك ربّك وما قلى » هو جواب القسم الذي نعبّر عنه بالمقسم عليه ، فهناك صلة في الواقع بين المقسم به والمقسم عليه ، وهو أنّه لماذا لم يقسم بالشمس ولا بالقمر ولا بالتين ولا بالزيتون بل حلف بالضحى والليل لأجل المقسم عليه أعني قوله : « ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى » ؟ وصفوة القول : إنّ كلّ قسم جدير لتحقيق الخبر ، ولكن يقع الكلام في كلّقسم ورد في القرآن الكريم أنّه لماذا اختار المقسم به الخاص دون سائر الأُمور الكثيرة التي يقسم بها ؟ فمثلًا : لماذا حلف في تحقيق قوله : « ما ودّعك » بقوله : « والضحى والليل » ولم يقسم بالشمس والقمر ؟ وهذا هو المهم في بيان أقسام القرآن ، ولم يتعرّض له أكثر المفسرين ولا سيما ابن قيم الجوزية في كتابه « التبيان في أقسام القرآن » إلّا نزراً يسيراً . ثمّإنّ الغالب هو ذكر جواب القسم ، وربما يحذف كما يحذف جواب لو كثيراً ، أمّا الثاني فكقوله سبحانه : « وَلَو أَنَّ قُرآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ
--> ( 1 ) الشمس : 1 - 2 . ( 2 ) التين : 1 . ( 3 ) الضحى : 1 - 3 .